تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

طلب من ابنه اختيار أمّ جديدة… فاختار عاملة النظافة وغيّر مصير العائلة

طلب المليونير من ابنه أن يختار أما جديدة من بين خمس نساء ثريات لكنه اختار عاملة النظافة كانت هيلينا سانتوس تنظف نوافذ الصالة الزجاجية بالصبر نفسه الذي تعلمت به ابتلاع كبريائها. لم تكن امرأة تميل إلى الخطب الطويلة ولا إلى الأحلام الكبيرة المعلنة بصوت مرتفع فقد أصبحت حياتها قائمة صامتة من الفواتير الواجب دفعها ونوبات العمل التي لا تنتهي وغرفة مستأجرة في نزل حيث كانت الجدران تسمع أكثر مما تتكلم. ومع ذلك ومنذ ستة أشهر كانت تشعر كل صباح حين تعبر بوابة تلك القصر الضخم بشيء غريب كأن الرفاهية لم تكن قادرة على إخفاء البرودة التي تعيش في داخله.

اكتشفت ذلك بسببه هو.

غابرييل في التاسعة من عمره بعينين خضراوين كانتا تبدوان كأنهما تخبئان محيطا كان يسير في أروقة القصر وكأن ما يحمله أثقل من حقيبته المدرسية. لم يكن يركض ولا يصرخ ولا يزعج أحدا وأحيانا كانت هيلينا تظن أن ذلك الطفل تعلم فن أن يكون غير مرئي حتى لا يزعج حزن الكبار. وعندما لا يكون والده في المنزل وهو

أمر كان يحدث غالبا كان غابرييل ينتهي به الأمر بالبحث عن هيلينا كما يبحث عن مصباح في ظلام مفاجئ.

كان يقول لها بذلك البرتغالية العذبة التي كانت تفهمها رغم أنها ليست لغتها المثالية

هل ستكونين هنا اليوم أيضا عندما أعود من المدرسة يا خالتي هيلينا

كانت هيلينا تبتسم رغم أن شيئا ما كان ينقبض في داخلها.

سأكون هنا يا حبيبي.

لم يكن من حقها أن تحب أحدا في ذلك المنزل. أنت عاملة النظافة كانت كارمن المشرفة على شؤون البيت قد أوضحت لها ذلك منذ اليوم الأول. افعلي عملك ولا تتدخلي. لكن كيف لا تتدخل عندما ينظر إليك طفل وكأنك الشيء الحقيقي الوحيد وسط كل تلك الأشياء الباهظة

في ذلك الصباح كان الهواء مختلفا. كان البستانيون يذهبون ويجيئون. وكانت كارمن تأمر بأن يلمع كل شيء. أما ريكاردو ألميدا صاحب المنزل فكان يسير في الفناء وكتفاه مشدودتان وفكه مقبوض كرجل يتخذ قرارات في اجتماع مجلس إدارة رغم أن من يقف أمامه كان ابنه.

رأتهم هيلينا من المطبخ. نادى ريكاردو غابرييل قرب المسبح. كان الطفل يكدس الحصى مركزا كأن ترتيب الحجارة قد يقدر على ترتيب الألم.

قال

يا بني لقد مر عامان متجنبا ذكر الفراغ أمك ماريانا كانت تتمنى لنا السعادة.

لم يجب غابرييل. فقط ضغط على حصاة حتى تركت علامة في راحة يده.

تابع ريكاردو وكأنه تدرب على الجملة أمام المرآة

لذلك اليوم ستتعرف على خمس نساء رائعات وستختار أيهن ستكون أمك الجديدة.

كان الأمر وكأن الفناء فقد صوته. رفع غابرييل نظره شاحبا.

اليوم الآن أجابه

اليوم. هن قادمات. هذا البيت يحتاج امرأة وأنت تحتاج أما.

سقطت الحصاة على الأرض.

قال بصوت خافت

كان لدي أم بالفعل

ثم صرخ

كان لدي أم!

قطب ريكاردو جبينه. في شركته عندما يتكلم يطيع الجميع. حاول أن يستخدم النبرة نفسها مع ابنه.

قال

الأمر ليس مسألة. بل مسألة حاجة.

تراجع غابرييل.

قال

حياتك استمرت. أما حياتي فتوقفت عندما رحلت.

ثم ركض نحو آخر الحديقة نحو تلك المنطقة المليئة بالأشجار حيث كان القصر يبدو أكثر إنسانية حيث يمر جدول صغير تحت جسر خشبي. ناداه ريكاردو بصوت مرتفع وبقي صدى سلطته معلقا في الهواء كتهديد.

من الداخل سمعت هيلينا صوت محركات السيارات تدخل من البوابة واحدة اثنتان ثلاث ثم موكب السيارات اللامعة. ظهرت

كارمن مسرعة شاحبة.

قالت

هيلينا اليوم تبقين في منطقة الخدمة. لا تجول. لا ظهور.

سألت

ما الذي يحدث

خفضت كارمن صوتها كما لو أن الجدران تثرثر

السيد أحضر نساء ليختار غابرييل.

شعرت هيلينا بقلبها يخفق بقوة. تطلعت من النافذة ورأت خمس مرشحات ينزلن من السيارات كدمى مجلات كعوب عالية فساتين من ماركات وابتسامات مثالية. تخيلت غابرييل جالسا أمامهن كأنه معروض في واجهة مجبرا على اختيار أم كما يختار نكهة آيس كريم. عندها أدركت هيلينا شيئا دون أن يشرحه لها أحد ذلك اليوم لن ينتهي بخير. شيء ما كان على وشك أن ينكسر ولن يكون مزهرية باهظة.

لم تستطع البقاء ساكنة.

خرجت من الباب الخلفي بحجة تفقد النباتات متجاهلة تحذير كارمن. سارت بسرعة عبر الحديقة الضخمة حتى وصلت إلى الجسر. كان غابرييل هناك منكمشا تحته يعانق ركبتيه ويدفن جبهته بين ذراعيه. لم يكن يبكي بصوت مرتفع لكن الحزن كان كثيفا كأنه مطر لا يرى.

قالت وهي تنحني

غابرييل هل أنت بخير

رفع رأسه. وعندما رآها أطلق زفيرا وكأنه كان يحبس أنفاسه لساعات.

قال

خالتي هيلينا لا أريد العودة.

جلست بجانبه على العشب غير مبالية باتساخ زيها.

سألته

ماذا حدث قال

أبي يريدني أن أختار أما جديدة من بين خمس نساء لا يعرفن حتى اسمي الحقيقي.

ابتلعت هيلينا ريقها.

سألته

وماذا تشعر

نظر إلى الماء الجاري.

قال

أن أمي هي ماريانا. وأن تلك النساء لا يحببنني. هن هنا من أجل مال أبي.

أرادت أن تقول له لا تقل ذلك أرادت أن تلطف له العالم لكنها لم تستطع أن تكذب على هذا الصدق الواضح.

قالت

أحيانا يرتكب الكبار حماقات عندما تكون قلوبهم مكسورة.

شد غابرييل فكيه.

قال

أزال صور أمي. قال إن الوقت حان للمضي قدما. لكنني لا أريد المضي بدونها.

أمسكت هيلينا بيده الباردة.

قالت

أمك لم ترحل حقا. هي في ذكرياتك. في الحب الذي تركته لك. في الخير الذي بداخلك.

نظر إليها بعينيه الواسعتين.

قال

أتحدث معها كل ليلة. وقالت لي البارحة إن قلبي سيعرف من سيعتني بي عندما يحين الوقت. ولن أحتاج أن يأمرني أبي.

شعرت هيلينا بقشعريرة تسري في جسدها. وقبل أن تقول أي شيء سمعت صوت ريكاردو يقترب عبر الحديقة

غابرييل! أين أنت

انكمش الطفل وقال بصوت مرتجف

سيجبرني

وقفت هيلينا. لم تكن تعرف كيف لكنها أدركت الأمر بوضوح ذلك الطفل كان يطلب المساعدة بكل كيانه حتى لو لم يقل سوى لا أريد.

قالت له بصوت منخفض

ابق هنا. سأذهب لأتحدث مع والدك.

قال غابرييل بخوف

انحنت حتى صارت في مستواه وقالت

لن أسمح بأن يؤذيك أحد. أعدك.

كان التقدم نحو ريكاردو أشبه بالسير نحو عاصفة. وجدته قرب المسبح ووجهه محمر من الغضب والنساء الخمس يراقبن المشهد كما لو كن يشاهدن عرضا.

قالت هيلينا وهي تأخذ نفسا عميقا

سيد ريكاردو غابرييل خائف. هو لا يريد

قاطعها بحدة

ماذا تفعلين هنا قلت لك ألا تظهري.

ضحكت إحدى النساء ضحكة خفيفة بلا روح.

يا لها من دراما. إنه دلع طفل مدلل.

التفتت هيلينا إليها ببرود لم تعرفه من قبل.

هل لديك أطفال

رمشت المرأة مرتبكة.

لا.

قالت هيلينا

إذا لا تتحدثي عما لا تفهمين.

توتر ريكاردو وقد شعر بالإهانة أمام ضيفاته.

هيلينا كيف تجرؤين

قالت بثبات

أنا أدافع عن غابرييل. هو يحتاج إلى حنان لا إلى ضغط.

قال ريكاردو بحدة

يحتاج أن يتعلم أنني الأب وأن أوامري تطاع.

ثبتت هيلينا نظرها فيه.

هو يحتاج حبا لا طاعة قسرية.

ساد صمت ثقيل. ثم شق صوت طفولي الهواء كالصاعقة

لا تطردها!

ظهر غابرييل راكضا وعلق نفسه بثوب هيلينا كما لو كان طوق نجاة.

هي الوحيدة التي تفهمني في هذا البيت قال وهو يبكي.

تقدم ريكاردو خطوة غاضبا.

غابرييل تعال إلى هنا!

صرخ الطفل

لا!

ثم التفت إلى النساء الخمس وقال

إن كنتم تريدون اختيارا فقد اخترت.

شعرت هيلينا وكأن الأرض اختفت من تحت قدميها.

قال غابرييل بصوت عال

أنا أختار خالتي هيلينا لتكون أمي الجديدة!

ساد الصمت. تجمدت النساء في أماكنهن. شحب وجه ريكاردو. فتحت هيلينا فمها لكنها لم تجد صوتا. كان الأمر مستحيلا سخيفا وفي الوقت نفسه كان الحقيقة الأنقى التي قيلت في ذلك القصر منذ عامين.

استعاد ريكاردو كبرياءه الجريح.

أنت خارج عن وعيك! زأر.

هيلينا أنت مطرودة.

صرخ غابرييل

إن ذهبت هي سأذهب أنا!

بدأت النساء بالانسحاب غير مرتاحات. وخلال دقائق غادر موكب السيارات وأغلق الباب الكبير بصوت نهائي كأن البيت يزفر فشله.

التفت ريكاردو ووجه غضبه إلى الشخص الوحيد الذي لا يمكنه شراؤه

اخرجي. الآن.

وغادرت هيلينا لا تعرف كيف تحمله قلبها المنكسر وهي تترك خلفها طفلا ينظر إليها كما لو كان يترك للمرة الثانية في حياته.

كانت الأيام التالية شتاء داخل القصر. توقف غابرييل عن الأكل. توقف عن الكلام. كانت كارمن تصعد بالطعام وتنزل بالأطباق كما هي. وكان ريكاردو يختبئ خلف العمل كأن العمل جدار يحميه من الذنب.

اتصلت فيرونيكا إحدى المرشحات لتنصحه. دست السم بصوت ناعم قالت إن هيلينا تلاعبت بالطفل وإنها انتهازية وإن النساء الفقيرات لا يبحثن إلا عن الصعود. أراد ريكاردو تصديق ذلك لأن تصديقه كان يعفيه من مواجهة نفسه.

وفي يوم سبت عدن النساء الخمس ومعهن هدايا باهظة ألعاب فيديو دراجات ملابس من ماركات كتب تعليمية. نزل غابرييل شاحبا بهالات سوداء ونظر إلى الصناديق كما ينظر إلى حجارة.

سأل بهدوء مخيف أين خالتي هيلينا

شد ريكاردو فكيه.

لن تعود.

رفع غابرييل رأسه.

إن كنتم تقولون إنكم تحبونني فلماذا لم يسأل أحد كيف حالتي

لم يكن هناك جواب. فقط ابتسامات جامدة.

قال

منذ أيام لا أنام. تأتيني كوابيس. أبكي على أمي. والوحيدة التي كانت تسألني إن كنت بخير هي هيلينا.

ثم قال بصوت يرتجف من غضب مكبوت

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى