تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

تلفيق حكـايات مني السيد

وصلنا لمكتب أستاذ مجدي، محامي قديم في منطقتنا وصاحب أبويا من أيام الشباب. دخلنا المكتب، وريحة الورق القديم والدوسيهات حسستني بخنقة أكتر. حكينا له كل حاجة؛ من أول خروج أخته نادية ودخولها من غير استئذان، والبهدلة اللي عشتها معاها، لحد طردي في نص الليل، والصور اللي أحمد بعتها على التليفون، والرسالة الصوتية.

أستاذ مجدي مسك الموبايل، بص في الصور بتمعن، وشغل التسجيل مرتين وتلاتة، وهو بتعقد حواجبه بتركيز ووشه بيتقلب تدريجيًا من التعاطف للقلق الشديد.

بصي يا بنتي… أستاذ مجدي اتكلم بنبرة رزينة خلت ركبي تسيب أكتر أحمد ده مش شغال لوحده. الترتيبة دي مش ترتيب عيل طايش، ده تخطيط واضح ومنظم وواضح إن في ترتيب قانوني مسبق. هو عمل إيه؟ استغل إنك سكنتي برة ومجعملتيش إثبات حالة رسمي في ساعتها، وراح الصبح بدري عمل أوراق رسمية ومعاينة للمكان، وclaimed إنك سيبتي البيت بمحض إرادتك وحدث خلاف أسري أدى لتلفيات!.

تلفيات إيه ودهب إيه؟! قاطعته وأنا بنهج من الصدمة دهبي هو اللي باعه من سنتين عشان يسدد ديون تجارته! والبيت ما كانش فيه حتى تمن علبة حليب لولاده! أنا حتى ما أخدتش بطاقتي ولا حذائي من على باب الشقة!.

أنا مصدقك يا نرمين، والقاضي لو سمعك هيصدقك، بس القانون بيعترف بالأوراق والمستندات.. أستاذ مجدي قام وقف ومسك جاكتته إحنا مش هنضيع وقت في الكلام. إحنا هنطلع حالًا على قسم الشرطة نقدم طلب رسمي بخصوص احتجاز الأطفال الرضع بدون وجه حق، ونسلمهم فواتير الجهاز وقائمة المنقولات، ونطالب بتمكين مسكن الزوجية بحضانة الصغار… بس قبل ما نروح، المفاجأة اللي قال عليها في التسجيل قالقة راحتي. لازم نعرف هو قدم أوراق إيه بالضبط.

نزلنا مع أستاذ مجدي، والطريق لقسم الشرطة كان كأنه طريق صعب. أول ما دخلنا ديوان القسم، قعدت على مقعد خشب جنب أبويا اللي كان ماسك سبحته وشفايفه بتتحرك بالدعاء من غير صوت.

أستاذ مجدي دخل مكتب النوبتجية وغاب جوه ييجي نص ساعة. النص ساعة دي عدت عليا كأنها تلاتين سنة من العذاب. فجأة طلع، وشه كان مخطوف تمامًا، ولونه أبيض كأنه شاف ميت.

قرب مننا بخطوات بطيئة، أبويا وقف بلهفة وسأله خير يا متر؟ طمنا بالله عليك؟.

أستاذ مجدي بص في الأرض، وبعدين بصلي بتردد وألم شديد وقال بصوت واطي ومبحوح أحمد مقدم طلب بخصوص نزاع حضانة الأطفال… ومقدم ورقة تفيد باتفاق ودي أو تنازل مؤقت عن رعاية الصغار لأخته نادية في ظل الظروف الحالية!.

إيييييه؟! الصرخة طلعت مني زلزلت القسم كله، لدرجة إن أمين الشرطة اللي واقف على الباب زعق يا ست وطي صوتك!.

أنا كنت حاسة إن دماغي هتنفجر. تنازل؟ إزاي؟! مسكت في صدر أستاذ مجدي وصرخت بانهيار تنازل إيه يا متر؟! أنا عمري ما أفرط في حتة من كبدي! ده أنا بولد قيصري كنت بموت عشانهم! والله العظيم ما حصل بارادتي الحقيقية!.

أستاذ مجدي مسك إيدي بهدوء وحاول يهديني اهدي عشان نعرف نفكر! هو مقدم أوراق تفيد إن الأطفال بحاجة لرعاية أسرية في ظل الخلاف، وإن الطرف الآخر ابدى استعداده، وطبعًا الأمور دي بتتحول للجهات المختصة، خصوصًا مع وجود شهادة من بعض المحيطين!.

شهود مين؟! أبويا اتكلم بغضب وقهر الجيران عارفين تربية بنتي! ده العمارة كلها عارفة إن أخته هي اللي كانت سبب المشاكل!.

شهوده هما بعض الأقارب وحارس العمارة.. أستاذ مجدي رد بتشاؤم الحارس شهد إنك غادرتي الشقة في وقت متأخر من الليل بناء على رغبتك في ترك المكان إثر الخلاف.

في اللحظة دي، حسيت بنار قايدة في جسمي كله. مش بس ظلموني، دول كمان خططوا يفرضوا أمر واقع يبعدني عن ولادي، وياخدوا ولادي للي دمرت حياتي!

مسحت دموعي بإيدي اللي كانت بترتعش، ونزلت على عيني غشاوة من نوع تاني… مش غشاوة ضعف وبكاء، دي غشاوة رغبة في المقاومة لحد آخر نفس. بصيت لأستاذ مجدي وسألته هو الورق ده راح جهات التحقيق خلاص؟. رد عليا لسه، الأوراق اتقدمت للإداريين وهيترفع للجهات المختصة بكرة الصبح، وهو حاليًا فوق بيتابع إجراءات إثبات الحالة.

هو فوق؟! سألته وعيني وسعت. أه، أحمد فوق مع ممثله القانوني بيستكملوا الإجراءات.

أبويا مسك دراعي بخوف رايحة فين يا نرمين؟ اوعي تتهوري يا بنتي يضيع حقنا!. شديت إيدي من إيد أبويا براحة بس بحسم ما تقلقش يا بابا، نرمين اللي كانت بتخاف من صوت أحمد العالي اتعرضت لظلم كبير خلاص… اللي قدامك دي أم، ومش هتسيب ولادها لو على رقبتها.

طلعت السلم المؤدي للمكاتب بخطوات سريعة وثابتة، أستاذ مجدي كان بيحاول يحصلني وهو بينده عليا عشان أستنى الإجراءات الرسمية، بس أنا ما كنتش سامعة غير صوت عياط يوسف ويونس في وداني.

وصلت للدور التاني، طرقة طويلة مليانة مكاتب، وعلى يمين مكتب مفتوح بابه نص فتحة، لمحت أحمد قاعد جوه ببدلته، حاطط رجل على رجل بكل ثقة، وبيتناقش مع محاميه، وجنبهم أخته نادية قاعدة، ولابسة عبايتها.

نادية كانت هناك! اللي اتسببت في كل ده، قاعدة بكل بجاحة في قسم الشرطة مستنية تتسلم المسؤولية رسميًا!

دفعت الباب برجلي ودخلت زي الإعصار.

الضحكة وقفت على وش أحمد، ونادية اتخضت وقامت وقفت والشنطة وقعت من إيدها. المسؤول اللي كان قاعد ورا المكتب رفع راسه بغضب وخبط على الطاولة إيه القاعة دي؟! مين سمحلك تدخلي كده؟!

أنا نرمين يا باشا! صرخت بصوت خلى كل اللي في المكتب يتسمر مكانه أنا الأم اللي اترميت في الشارع الساعة تلاتة الفجر عشان الست دي تستولى على بيتي! أنا اللي اتاخد منها عيالها الرضع بالطريقة دي!.

أحمد وقف وحاول يمثل الثبات والوقار، وقرب من المسؤول وقال بمسكنة شوفت يا فندم؟ دي الزوجة اللي حكيت لسيادتك عنها! داخلة المكان تهجم عليا إزاي؟ دي الست اللي سابت شقتها وأطفالها وخرجت بالليل، وجاية دلوقتي تعمل مشاكل!.

نادية كملت وراه بدموع مفضوحة أيوة يا باشا، دي ست مش مهتمية بضناها! ولاد أخويا كانوا محتاجين رعاية لولا إني دخلت الشقة الصبح اطمنت عليهم! دي مش أم مثالية، ومعانا الأوراق اللي بتثبت تنازلها المؤقت!.

بصيت لنادية، وقربت منها خطوة واحدة، كانت عينيا فيها نظرة خلتها ترجع لورا بخوف حقيقي. بصتلها وقولت بهدوء مرعب الورق ده… اتعمل إمتى يا نادية؟. نادية ارتبكت وبلعت ريقها أ… إنتِ اللي سبتي البيت بمزاجك!. سيبت البيت بمزاجي؟ ضحكت ضحكة مكسورة عالية هزت أركان المكتب أنا أسيب عيالي اللي مكملوش شهور برضايا؟ طب الأوراق دي عليها تاريخ إيه يا باشا؟.

أستاذ مجدي دخل في اللحظة دي مع أبويا، وقال باحترام سيادة المسؤول، أنا وكيل الشاكية، وبنطعن بصحة هذه الأوراق وبنطالب بالتحفظ على كاميرات المراقبة الخاصة بالشارع، لأن موكلتي انطردت الساعة تلاتة صباحًا بإسدال جارتها، وما دخلتش الشقة من وقتها! التغييرات اللي حصلت دي تمت بمعرفتهم عشان يلفقوا الموقف!.

المسؤول بص لأحمد وشك بدأ يظهر في عينيه، مسك الورقة المزعومة وبص فيها، وبعدين بص لأحمد الكلام ده حقيقي يا أستاذ؟ في كاميرات في الشارع؟.

أحمد وشه بهت للحظة، بس سرعان ما استرجع بروده ورد شارع إيه وكاميرات إيه يا فندم؟ الشارع هناك هادي ومفيش كاميرات واضحة.. وهي بتماطل عشان تتهرب من المسؤولية، وعيالي هيكونوا في رعاية أختي بالأوراق المتاحة!.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى