
وجهه مرهق، وصوته متوتر.
قال وهو ينظر إلى الكاميرا
لو الرسالة دي اشتغلت… يبقى غالبًا أنا بقيت ميت.
انهمرت دموع مريم.
مدت يدها نحو الشاشة وكأنها تريد أن تلمسه.
واصل أحمد كلامه
مريم… لو إنتِ اللي بتشوفي الفيديو، اعرفي إن الحادث ماكانش قضاء وقدر.
توقف قلبها للحظة.
أنا اكتشفت شبكة فساد كبيرة… وفي ناس مستعدة تقتل أي حد يعرف الحقيقة.
ثم أخرج ملفًا من حقيبته.
الدليل الحقيقي مش معايا… أنا خبيته في مكان محدش هيفكر يدور فيه.
وقبل أن يكمل…
انقطع الفيديو فجأة.
ظهرت الشاشة سوداء.
وفي اللحظة نفسها، دوى إنذار قوي داخل مقر آدم.
اندفع أحد الحراس إلى الداخل وهو يصرخ
يا فندم… الكهرباء اتقطعت في الدور الأرضي… والكاميرات الخارجية كلها اتعطلت!
ثم سُمع صوت إطلاق نار من خارج المبنى…
لتدرك مريم أن الأشخاص الذين يطاردونها لم يعودوا يبحثون عنها فقط…
بل عرفوا مكانها أيضًا.
يتبع…الجزء الرابع
دوّى إطلاق النار مرة أخرى.
وفي لحظة واحدة، انطفأت الأنوار في الطابق بالكامل، ولم يبقَ سوى أضواء الطوارئ الحمراء التي ملأت الممرات بلون مخيف.
صرخ أحد الحراس
احموا الآنسة مريم والطفلة!
أمسكت مريم بالرضيعة دون تفكير، وضمتها إلى صدرها، بينما اصطحبها أحد الحراس نحو غرفة محصنة داخل القصر.
أما آدم، فأخرج مسدسه لأول مرة أمامها وقال ببرود
محدش يطلع من مكانه.
بعد دقائق من التوتر، عاد التيار الكهربائي تدريجيًا.
دخل رئيس الأمن وهو يلهث.
يا فندم… المهاجمين هربوا.
سأله آدم
دخلوا القصر؟
لأ… كانوا بيختبروا التأمين بس، لكن…
توقف فجأة.
لكن إيه؟
أجاب بصوت خافت
لقينا واحد من رجالنا مقتول عند البوابة الخلفية.
ساد الصمت.
فهم الجميع أن خصمهم ليس مجرد مجموعة لصوص، بل أشخاص محترفون.
نظر آدم إلى مريم وقال
من النهارده هتفضلي تحت حمايتي، لحد ما نعرف الحقيقة.
اعترضت مريم
أنا مش عايزة أكون سبب في أي مشاكل ليك.
ابتسم بحزن.
للأسف… المشاكل وصلت قبل ما تقولي الجملة دي.
وفي تلك اللحظة، تذكرت مريم شيئًا فجأة.
وضعت يدها على رأسها وقالت
استنى… أحمد قال مرة إنه لو حصله حاجة، أدور على الهدية الأخيرة اللي سابها للتوأم.
رفع آدم رأسه بسرعة.
هدية إيه؟
معرفش… افتكرته وقتها بيتكلم من وجعه بعد الحادث اللي سبق وفاته بأيام، وما اهتمتش.
فكر آدم لثوانٍ، ثم قال
أوضة الأطفال.
اتسعت عينا مريم.
إيه قصدك؟
الظرف كان هناك… ويمكن الدليل الحقيقي كمان هناك، لكن في مكان أدق.
أمر آدم فريقًا متخصصًا بالعودة إلى الشقة وتفتيشها سنتيمترًا سنتيمترًا.
وبعد أكثر من ساعتين، جاء الاتصال المنتظر.
قال الضابط بحماس
لقيناها يا فندم!
وقف آدم فورًا.
لقيتوا إيه؟
لعبة دب كبيرة كانت في سرير الأطفال… جوّاها تجويف مخفي.
شهقت مريم.
كان ذلك الدب هو اللعبة المفضلة التي اشتراها أحمد للتوأم قبل ولادتهما.
فتح الضابط التجويف بحذر.
وأخرج منه دفترًا صغيرًا، ومفتاحًا معدنيًا، ورسالة مطوية.
فتح آدم الرسالة ببطء، وقرأ أول سطر فيها بصوت مرتجف
إذا وصلت هذه الرسالة إلى مريم… فاعلمي أن الشخص الذي وثقتُ به أكثر من أي إنسان هو من خانني.
ثم توقف.
لأن اسم الخائن كان مكتوبًا في السطر التالي…
وحين قرأه، اتسعت عيناه
من الصدمة، وسقطت الرسالة من يده دون أن ينطق بكلمة.
يتبع…الجزء الخامس
انحنى آدم بسرعة والتقط الرسالة من الأرض.
كانت مريم ترتجف.
همست بصوت مخنوق
مين… مين الخائن؟
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم رفع عينيه إليها.
الاسم اللي مكتوب هنا… أنا مستحيل أصدقه.
مدت يدها وأخذت الرسالة.
وقرأت بنفسها
الخائن هو… كريم المنصوري.
تجمدت في مكانها.
رفعت رأسها ببطء نحو آدم.
المنصوري؟
أغمض عينيه للحظة.
كريم… أخويا الأصغر.
ساد الصمت.
قالت مريم بعدم تصديق
يعني أحمد كان بيقول إن أخوك هو اللي خانه؟
رد آدم بصوت متعب
لو الرسالة دي حقيقية… يبقى أنا كنت عايش مع أخطر شخص من غير ما أعرف.
لكن قبل أن يكمل كلامه، رن هاتفه.
نظر إلى الرقم… واتسعت عيناه.
المتصل كريم المنصوري.
ضغط زر الرد ووضع الهاتف على مكبر الصوت.
جاء صوت كريم هادئًا بشكل مرعب
مساء الخير يا آدم.
رد ببرود
أنت فين؟
ضحك كريم.
قريب جدًا… أكتر مما تتخيل.
قال آدم بغضب
إنت قتلت أحمد؟
ساد صمت قصير.
ثم قال كريم
أحمد مات لأنه شاف حاجة ماكانش المفروض يشوفها.
شعرت مريم بأن الأرض تميد تحتها.
صرخت
ليه؟! عملك إيه؟
جاءها الرد ببرود
كان أمين بزيادة… ودي كانت غلطته.
قبض آدم على الهاتف بقوة.
انتهى كل شيء يا كريم.
ضحك الأخير مرة أخرى.
بالعكس… كل حاجة لسه هتبدأ.
ثم أضاف جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع
بص من الشباك.
ركض أحد الحراس وأزاح الستارة.
وفي الخارج…
كانت عشرات السيارات السوداء تحاصر القصر من جميع الجهات.
ورجال مسلحون يترجلون منها في هدوء.
وفي مقدمتهم…
وقف كريم المنصوري بنفسه، وهو ينظر إلى شقيقه بابتسامة باردة، ثم رفع مكبر صوت وقال
معاك خمس دقائق يا آدم… تسلمني مريم والدفتر… أو القصر كله هيتحول لركام.
نظرت مريم إلى آدم وهي تدرك أن وجودها أصبح سببًا في حرب حقيقية.
لكنها لم تكن تعلم أن الدفتر الذي أخفاه أحمد لا يحتوي فقط على أدلة فساد…
بل على سرٍّ أكبر، قادر على إسقاط أسماء نافذة، وهو ما جعل الجميع مستعدين للقتل من أجله.
يتبع…الجزء السادس
نظر آدم من خلف الزجاج المصفح إلى شقيقه.
كانت عشرات السيارات تحاصر القصر، لكن الغريب أن كريم لم يطلق رصاصة واحدة.
همس آدم
لو كان هدفه يقتلنا.
.. كان بدأ من أول دقيقة.
سألته مريم
يبقى مستني إيه؟
أجاب وهو ينظر إلى الدفتر الصغير
مستني الحاجة اللي أحمد خبّاها.
فتح الدفتر بسرعة.
لم يجد أسماء ولا حسابات بنكية كما توقع.
كانت كل الصفحات مليئة بأرقام وإحداثيات ورموز غير مفهومة.
قال أحد خبراء الأمن
ده مش دفتر مذكرات… ده مفتاح تشفير.
ثم تناول المفتاح المعدني الذي عثروا عليه مع الدفتر، وتأمله جيدًا.
وفجأة قال
المفتاح ده تابع لخزنة في أحد البنوك… مش مفتاح بيت.
سألت مريم بقلق
يعني الدليل الحقيقي لسه موجود؟
أومأ آدم.
وأحمد كان عارف إن أي ورق ممكن يتحرق أو يتسرق… فخبّى كل حاجة في مكان محدش يوصله.
وفي الخارج، دوّى صوت كريم عبر مكبر الصوت مرة أخرى
خلص وقتكم!
وفجأة…
اهتزت بوابة القصر بانفجار هائل.
تطايرت قطع الحديد، واندفع رجال الأمن إلى مواقعهم.
بدأ إطلاق النار.
اختبأت مريم وهي تضم الطفلة إلى صدرها بكل قوتها.
لكن الصغيرة بدأت تبكي بشدة.
اقترب آدم منها وقال
انزلي مع الحراس للنفق السفلي… بسرعة.
نظرت إليه.
وإنت؟
ابتسم ابتسامة هادئة رغم الفوضى.
لازم أفضل هنا… لو خرجت دلوقتي هيعرفوا إن الدفتر معانا.
أمسكت بذراعه.
لا… هتموت.
رد بثبات
لو وقع الدليل في إيد كريم… ناس كتير هتموت بعدي.
اقتنعَت بصعوبة، وسارت مع الحراس داخل ممر سري تحت القصر.
وبينما كانوا يركضون، توقفت فجأة.
نظرت إلى الحائط.
كانت هناك صورة قديمة لآدم مع زوجته الراحلة وطفلته الرضيعة.
همست
مراتك… فين؟
خفض أحد الحراس رأسه وقال
اتقتلت من سنة… في حادث قالوا إنه قضاء وقدر.
تجمدت مريم.
وتذكرت جملة أحمد في الفيديو
كل اللي عرف الحقيقة… مات في حادث.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.




