منوعات

زوجي اجرى

لكن دِييغو كان موجودًا.

ليس كزوج.

ولا كشريك حياة.

بل كأب يتعلم حرفيًا كيف يبدأ من الصفر.

وفي أحد الأيام، جاء ومعه ظرف صغير.

وقف عند الباب وقال ممكن نتكلم؟ خمس دقايق بس.

تركته يدخل.

جلس على الأريكة، مترددًا، ثم قال اتعرض عليّ شغل برّه البلد فرصة كويسة جدًا. بس قبل ما أوافق، كان لازم أعرف هل وجودي بيأذيك؟

رفعت عيني إليه.

سؤال غريب.

ليس اعتذارًا ولا طلب رجوع ولا محاولة للهروب.

بل سؤال أخير ناضج لأول مرة.

قلت بهدوء إنت ما بقيتش بتأذيني. إنت خلاص جزء من الماضي. لكن الأولاد محتاجين استقرار.

هز رأسه.

يعني أرفض؟

صمتُ لحظة.

ثم قلت يعني تختار إما تبقى أب موجود حتى لو بعيد، أو تبقى غايب تمامًا.

نظر للأرض طويلًا.

ثم قال أنا كنت غايب لما كان لازم أكون موجود مش هكرر ده.

بعد أسابيع، سافر.

لكن الغريب أنه ما اختفاش.

كان يتصل كل يومين.

يرسل صورًا، رسائل صوتية، يحاول يشارك حتى في التفاصيل الصغيرة أول خطوة، أول كلمة، أول يوم مدرسة.

ومع الوقت، صار الأطفال ينتظرون مكالمته.

وأنا

لم أعد أكرهه.

ولا أعود له.

فقط تعلمت أن بعض الناس يمكنهم أن يتغيروا لكن التغيير لا يعني العودة لما كان.

في ليلة هادئة، جلست وحدي بعد أن نام التوأم.

نظرت إلى حياتي.

تعب نعم.

خذلان كثير.

لكن أيضًا

قوة لم أكن أعرف أنها داخلي.

رن الهاتف.

كانت رسالة منه اليوم ابني قال لي أنا فخور بيك يا بابا.

ابتسمت.

وأطفأت الشاشة.

لأول مرة لم أشعر أن الماضي يجرني للخلف

بل أنه فقط أصبح قصة انتهت.

وأنا أخيرًا بدأت قصتي أنا مرّت سنة أخرى

وأصبح كل شيء أكثر هدوءًا مما توقعت يومًا.

التوأم دخلا المدرسة، وبدأت أسئلتهما تتغير لم يعد السؤال بابا زعلان؟ بل أصبح ليه بابا مش

عايش معانا؟

سؤال بسيط لكنه كان يفتح داخلي أبوابًا قديمة.

في أحد الأيام، رجع دِييغو من السفر زيارة قصيرة.

كان يبدو مختلفًا.

أهدأ. أنضج. وأكثر تعبًا من أي وقت فات.

جلس مع الأولاد، لعب معهم، ضحك ثم ناداني على جنب.

قال في حاجة لازم تعرفيها.

نظرت له بحذر.

أكمل أنا مش هرجع أعيش هنا نهائي.

صمت.

ثم أضاف اتعرض عليا شغل ثابت برّه. وحاسس إن وجودي هنا كل شوية داخل وخارج بيشوّه حياتكم أكتر ما بيفيدها.

لم أرد فورًا.

كنت أظن أن هذا القرار سيوجعني لكنه لم يفعل.

فقط شعرت بالراحة.

قلت دي أول مرة تاخد قرار من غير ما تجرّ حد وراك.

ابتسم ابتسامة خفيفة فيها مرارة اتعلمت متأخر.

في اليوم اللي سافر فيه، الأولاد بكوا قليلًا ثم هدأوا.

الأطفال دائمًا أسرع في التكيّف من الكبار.

أما أنا

فوقفت في المطبخ بعد ما مشي، لأول مرة بلا ثقل على صدري.

لم أكن حزينة.

ولا منتصرة.

كنت فقط كاملة.

بعد شهور، وصلتني رسالة أخيرة منه.

أنا مش بطلب حاجة بس عايزك تعرفي إنك كنتِ أقوى حاجة في حياتي، وأنا اللي خسرتها بإيدي.

أغلقت الرسالة.

لم أرد.

لأن بعض الجمل تتقال متأخر جدًا لدرجة إنها ما بتغيرش حاجة.

في المساء، دخل عليّ ابني الصغير وقال ماما، أنا عايز أبقى زيك لما أكبر.

ضحكت.

وقلت له ابقى أحسن مني كمان.

وبين ضحك الأطفال وصوت الحياة اللي رجع يمشي في البيت أدركت شيئًا أخيرًا

أن القصص اللي بتبدأ بالألم مش لازم تنتهي باڼتقام.

فيه قصص بتنتهي بشيء أهدى بكثير

بداية جديدة بدون خوف كبر التوأم أكثر، وصارت أسئلتهما أعمق، لكن أيضًا أهدأ.

لم يعد حضور دِييغو حدثًا دراميًا في حياتنا، بل صار جزءًا طبيعيًا من الإيقاع زيارة كل فترة، مكالمة، رسالة، ثم غياب طويل يفرضه العمل والمسافة.

ومع ذلك، كان واضحًا أنه يحاول أن يكون أبًا حاضرًا

قدر ما يستطيع، حتى لو لم يعد هناك أي مساحة ليكون شيئًا آخر.

في أحد الأيام، دُعينا جميعًا إلى حفل المدرسة.

كنت أجلس في الصف الأمامي، أصفق عندما صعد أحد التوأم على المسرح ليقرأ جملة قصيرة بصوت مرتجف ثم يبتسم.

تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى