تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

منعو والديه من دخول حفل التخرج لأنهما يرتديان شبشباً… لكن ما حدث بعد دقيقة

كانت الشمس حاړقة في السماء، لكن جايدن بالكاد لاحظ ذلك. كان هذا هو يوم تخرّجه بأعلى مرتبة شرف أكاديمية من إحدى الجامعات المرموقة. إلى جانبه وقف والداه مانغ كاريو وألينغ إيسينغ يحملان حقيبة منسوجة قديمة ومروحة يدوية صغيرة. لقد قدما من المقاطعة البعيدة. وكانت التجاعيد على أيديهما تروي قصة عمرٍ كامل من العمل الشاق في الزراعة. كان مانغ كاريو يرتدي قميص البولو الباهت المفضل لديه، بينما كانت ألينغ إيسينغ ترتدي فستاناً قديماً بدا واضحاً أنه مرّ بأيام أفضل.

لكن أكثر ما لفت الانتباه أن كليهما كان يرتدي شبشباً مطاطياً بسيطاً.

قال جايدن بفخر
أمي، أبي، هيا ندخل.
لكن عندما وصلوا إلى بوابة القاعة، أوقفتهم منسقة صارمة تُدعى السيدة فيلافلور. نظرت إليهما من الرأس إلى القدمين بنظرة ازدراء واضحة.
قالت بحدة
عفواً.
ثم أضافت بنبرة صارمة
الأشخاص الذين يرتدون شبشباً غير مسموح لهم بالدخول. هذا حدث رسمي. إنه يمثل صورة مؤسستنا. عليكم البقاء في الخارج.
توسل جايدن قائلاً
سيدتي، إنهما والداي. لقد قدما من مكا

ن بعيد جداً.
لكن المنسقة أصرت وهي تلوّح بمروحتها بضجر
القواعد هي القواعد يا سيد سانتوس. لا يمكننا أن نسمح بأن يبدو حفل التخرج كسوق شعبي. سيكون ذلك محرجاً أمام الرعاة والمتبرعين الذين سيصلون قريباً.
احمرّ وجه جايدن غضباً وخجلاً مما كان يمرّ به والداه. كان على وشك الرد عندما أمسك مانغ كاريو بذراعه بلطف.
همس والده قائلاً، رغم الحزن الذي ملأ عينيه
لا بأس يا بني.
سنبقى هنا خارج البوابة. المهم أننا سنراك وأنت تصعد إلى المنصة. لا تقلق بشأننا.
ارتجف صوت جايدن وهو يقول
لكن يا أبي

قالت ألينغ إيسينغ وهي تجبر نفسها على الابتسام رغم الدموع التي امتلأت بها عيناها
اذهب يا بني، ادخل. إنهم ينتظرونك.
بقلب مثقل بالحزن دخل جايدن إلى القاعة.
وأثناء سيره في الممر رأى آباءً وأمهات يرتدون الملابس التقليدية الأنيقة والفساتين الفاخرة، يضحكون ويتحدثون.
أما والداه فبقيا خارج البوابة، ينظران من بين القضبان الحديدية كأنهما غريبان عن نجاح ابنهما.
بدأت مراسم التخرج.
وكان كل تصفيق يسمعه جايدن يبدو كأنه إهانة تتردد في أذنيه.

ثم جاءت اللحظة التي كان الجميع ينتظرها الإعلان عن المتبرع الغامض الذي موّل بناء مبنى العلوم والتكنولوجيا الجديد المكوّن من عشرة طوابق في الجامعة.
صعد العميد إلى المنصة بحماس كبير.
وقال
سيداتي وسادتي، يشرفنا اليوم أن يكون معنا الزوجان الكريمان اللذان تبرعا بمبلغ خمسين مليون بيزو لبناء مرافقنا الجديدة. لقد طلبا تحديداً البقاء مجهولين حتى هذا اليوم. فلنرحب بالسيد ماكاريو والسيدة نارسيسا سانتوس!
اڼفجرت القاعة بأكملها بالتصفيق.
نظرت السيدة فيلافلور حولها باحثة عن ضيوف مهمين يرتدون المعاطف وربطات العنق.

كانت تتوقع أن يخرج أحدهم من سيارة فاخرة.
لكن لم يتقدم أحد.
قال العميد مرة أخرى
السيد والسيدة سانتوس؟
نهض جايدن ببطء من مقعده.
وسار نحو المنصة، وأمسك بالميكروفون، ثم أشار إلى البوابة خلف القاعة.
وقال بصوت
مكسور
إنهما في الخارج.
ثم تابع

لم يُسمح لهما بالدخول من قبل المنسقة لأنهما كانا يرتديان شبشباً.
ساد الصمت في القاعة بأكملها.
لم يكن مجرد صمت عادي، بل كان صمتاً ثقيلاً كأن الزمن نفسه قد توقف للحظة. بدا الأمر وكأن دلواً من الماء البارد قد سُكب فجأة فوق رؤوس الجميع. توقفت الهمسات، وخفتت الأنفاس، والتفتت كل الرؤوس في وقت واحد نحو البوابة الخلفية للقاعة.
هناك خلف القضبان الحديدية، كان يقف الزوجان المسنان.
كان مانغ كاريو يمسك القضبان بيدين خشنَتين صنعت قسوتهما سنوات طويلة من العمل في الحقول، بينما كانت ألينغ إيسينغ تقف إلى جانبه مبتسمة ابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي يعرفها كل من عاش حياة مليئة بالصبر والتعب.
لم يكن في مظهرهما شيء يدل على الثراء.

لا ملابس فاخرة.
ولا مجوهرات لامعة.
ولا حتى أحذية رسمية.
فقط شبشب مطاطي بسيط، وثياب متواضعة، ووجهان يحملان آثار عمر كامل من الكفاح.
أما داخل القاعة، فقد تغيرت ملامح الحاضرين فجأة.
من الدهشة إلى الحرج إلى الصدمة.
كانت السيدة فيلافلور أول من شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.
شحبت ملامحها فجأة، واتسعت عيناها، وبدا وكأن الډم قد انسحب من وجهها تماماً.
قبل دقائق فقط كانت تقف بثقة عند البوابة، تتحدث عن صورة المؤسسة وهيبة الحدث والقواعد الرسمية.
أما الآن

فكانت تقف في منتصف القاعة كأنها فقدت القدرة على الحركة.
كان المشهد كله أكبر من قدرتها على الاستيعاب.
على المنصة، تبادل العميد ورئيس الجامعة نظرات سريعة مليئة بالصدمة.
لم يترددا لحظة.
نزلا بسرعة من المنصة، واندفعا نحو البوابة الخلفية بخطوات سريعة تكاد تكون ركضاً.
فتح رئيس الجامعة البوابة بنفسه، ثم انحنى قليلاً باحترام أمام مانغ كاريو وألينغ إيسينغ.
قال بصوت متردد، يحمل مزيجاً من الاعتذار والارتباك
نحن نحن آسفون جداً. لم نكن نعلم.

نظر مانغ كاريو إليه بهدوء.
لم يكن في وجهه ڠضب.
ولا استياء.
ولا حتى عتاب.
فقط ابتسامة بسيطة، تشبه ابتسامة الفلاح الذي اعتاد أن يتقبل ما تأتي به الحياة دون شكوى.
قال بهدوء
لا بأس يا سيدي. نحن معتادون على الطين والغبار على أي حال. ما يهمنا حقاً هو أن ابننا أنهى دراسته.
كانت تلك الجملة البسيطة أقوى من أي خطاب.
في تلك اللحظة شعر كثير من الحاضرين بأن شيئاً ما في داخلهم قد اهتز.
رافق المسؤولون الزوجين إلى داخل القاعة بكل احترام.

وبينما كان مانغ كاريو وألينغ إيسينغ يسيران ببطء فوق السجادة الحمراء الطويلة وما زالا يرتديان شبشبهما المطاطي البسيط حدث شيء لم يكن مخططاً له في البرنامج الرسمي للحفل.
وقف طالب واحد.
ثم وقف طالب آخر.
ثم وقف صف كامل.
وخلال ثوانٍ قليلة كان كل من في القاعة واقفاً على قدميه.
طلاب.
آباء.
أمهات.
أساتذة.
ضيوف.
الجميع.

وبدأ التصفيق.
في البداية كان خافتاً.
متردداً.
كأن الناس لم يكونوا متأكدين مما يجب عليهم فعله.
لكن شيئاً فشيئاً أصبح التصفيق أقوى.
وأعلى.
وأكثر حرارة.
حتى تحولت القاعة كلها إلى عاصفة من التصفيق المدوي.
لم يكن التصفيق بسبب المال.
ولا بسبب التبرع.
ولا بسبب المبنى الجديد.

بل بسبب

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى